السيد محمد تقي المدرسي

32

من هدى القرآن

دون أن تمتلكه قريب من الله ، قريب من الناس ، ولكن الذي تقوده ثروته ، بل يذوب في ثروته إلى درجة العبادة فإنه بعيد عن الله ، بعيد عن الناس ، قريب من النار . ولا بد أن تتخذ القيادة الإلهية موقفا حازما منه قال تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [ الكهف : 28 ] . أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى ومعروف أن الاستغناء يؤدي إلى الطغيان ، أولم يقل ربنا الحكيم : كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [ العلق : 6 - 7 ] . [ 6 ] مثل هذا الإنسان ينبغي طرده لكيلا يتسلل إلى قيادة المجتمع عبر ثروته . إن مثله مثل قارون الذي خرج على الناس بزينته ، فانبهر الناس بها ؛ فإذا خضع رجال الدعوة لهم أو مالؤوهم فمن ينقذ الناس من شرورهم واستطالتهم على الفقراء والمحرومين ، ومن يأخذ حق المستضعفين والبؤساء منهم ؟ لذلك يعيب السياق على صاحب الدعوة ترك الفقير الأعمى والتوجه تلقاء المستغنين . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قالوا : التصدي : الإصغاء ، ويبدو أن معناه : الإقبال عليه ، والاهتمام به . [ 7 ] وقد يزعم حملة الدعوة وأمناء الرسالة أنهم مسؤولون عن الأغنياء ، وأن عليهم أن يجتذبوهم بأية وسيلة ممكنة ، فيقدمون لهم التنازلات ، في الوقت الذي يحرمون فيه الفقراء من عطفهم وحنانهم ، والحال أن مسؤولية الداعية تنتهي عند إبلاغ الرسالة وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى فهو - ولست أنت - المسؤول عن تزكية نفسه ، وإنما على الرسول التذكير . [ 8 - 9 - 10 ] من الذي يتصدى له صاحب الدعوة ؟ هل الذي يتولى بركنه ؟ كلا . . حتى ولو كان شريفا في قومه ، غنيًّا قويًّا . لماذا ؟ لأن الرسالة الإلهية جاءت لإصلاح نظرة الإنسان إلى نفسه من خلال مركزه أو ماله أو لغته أو ما أشبه ، فإذا تأثرت الرسالة بهذه القيم المادية فإنها لا تستطيع إصلاحه ، لذلك جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال : [ إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِكُمْ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لِشَيْءٍ يَحُوطُ مَا أَحَبَّ ] « 1 » . والرسالة تنظر إلى الإنسان بوصفه إنساناً بعيداً عن سائر الاعتبارات المادية ، فمن سعى إلى الرسول بلا تردد وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى نحو الهداية أو تعلم الدين وَهُوَ يَخْشَى التذكرة هي بلورة واستثارة - عبر الانتباه والإثارة - كوامن العقل الذي يهدي به الله من يشاء إلى صراط مستقيم . وهكذا يتذكر ذوو العقل فإنهم وحدهم الذين يستثيرون عقولهم ويبلورون فطرتهم ،

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 107 .